الشيخ حسن المصطفوي

28

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

المختلفة . فكلّ نوع من أنواع الموجودات يسبّح اللَّه عزّ وجلّ ببيانه الخاصّ به . ثمّ إنّ حقيقة التسبيح إنّما يتقوّم بما في الباطن من العلم والمعرفة والتوجّه والشهود القلبي ، وبتحقّق مفهوم التسبيح في الباطن ، حتّى يستدعي الإظهار والبيان بأيّ نوع منه . وحقيقة تحقّق التسبيح الباطنيّ الواقع : إنّما هو بتحقّق التنزّه والمحو والفناء في المرتبة الخاصّة بأيّ نوع كان ، فانّ المعرفة في حدّ العارف ، وعرفان كلّ شخص بحسب وسعه واستعداده . فكلّ فرد إنّما يعرف ويشاهد من التسبيح : ما يشاهده في نفس منه ، أي ما يتحقّق من التنزّه والفناء لنفسه في نفسه ، فيشاهد عين هذه المعرفة والشهود في هذه المرتبة ، بالنسبة إلى تسبيح اللَّه عزّ وجلّ . فإذا تحقّق فناء في مرتبة من مراتب الموجودات : فيتحصّل معرفة شهوديّ باطنيّ ، ولو لم يوجد توجّه منه به كما في الجماد والنبات ، ويتحصّل أيضا شهود حقيقيّ قهريّ بهذه المرتبة بالنسبة إلى مرجعه ومآبه ومنتهاه وربّه وخالقه ، سواء أراد هذا الشهود أم لم يرد ولم يتوجّه . فهذا حقيقة التسبيح . والى هذا المعنى أشار بقوله تعالى : . * ( لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّه ُ كانَ حَلِيماً ) * - 17 / 44 . ولم يقل لا تسمعون تسبيحهم . 5 - ظهر أنّ حقيقة التسبيح إنّما يتحقّق في تسبيح النفس ، وكلَّما ازداد تسبيح النفس وتنزّهه وفناؤه : ازداد حقيقة تسبيح اللَّه المتعال ويشاهده شهودا عينيّا ويقينيّا . وهذا المعنى أوجب التعبير بقوله تعالى : . * ( سَبَّحَ لِلَّه ِ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * ، * ( يُسَبِّحُ لَه ُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * ، أي يسبّحون وينزّهون أنفسهم للَّه وفي سبيل تسبيح اللَّه عزّ وجلّ . والى هذه الحقيقة يرجع مفهوم - من عرف نفسه فقد عرف ربّه ، فانّ حقيقة معرفة الربّ في معرفة النفس ، وحقيقة عرفان النفس وكماله والوصول إلى منتهى مرتبة